21 - 03 - 2026

ملامح | الهلال يجمعنا وأرض النفاق تحكمنا

ملامح | الهلال يجمعنا وأرض النفاق تحكمنا

اختلفت الدول العربية والإسلامية على بدء شهر رمضان المبارك، وهذه عادتنا أن نختلف معاً ولا نتفق، إلا أن الله تعالى أراد جمعنا فجعل يوم عيد الفطر المبارك يوماً واحداً لكل المسلمين والعرب، وهي رسالة سماوية تدعونا للوحدة فهل يتحقق ذلك؟

على ما يبدو أن ذلك أمر صعب، وربما من المحال.. لماذا؟

لأننا نعيش في زمن وعلى أرض يحكمها النفاق.

في ظل الأجواء التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط منذ 28 فبراير 2026، وما قبلها منذ طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، والنفاق يحكمنا، والأنظمة العربية مثل مسعود أبو السعد الموظف العادي المتزوج، غير القادر على تغيير حياته، وبالصدفة يرى محلا لبيع الأخلاق ويرى أن الأخلاق القبيحة قد نفدت فيقوم بشراء بعض أخلاق الخير، ولكنه بعد أن عمل بها خسر كل شيء فقام بشراء بعض الأخلاق القبيحة مثل النفاق الذي يساعده على تولي أفضل المناصب.. تلك كانت قصة فيلم "أرض النفاق" عن قصة للأديب يوسف السباعي (مدرس التاريخ العسكري بالكلية الحربية، ووزير الثقافة في عهد الرئيس السادات) وأخرجه فطين عبد الوهاب، بطولة فؤاد المهندس وشويكار، وسميحة أيوب وعبد الرحيم الزرقاني، وعرض في عام 1968، تلك القصة سبق تقديمها للسينما المصرية في عام 1950، بعنوان "أخلاق للبيع" عن ذات الرواية وقام ببطولتها محمود ذو الفقار وفاتن حمامة، ودارت أحداث الفيلم حول زوج (أحمد)  يقاسي من حماته، حتى يصادف رجلًا يبيع الأخلاق في مساحيق فيشترى منه مسحوق الشجاعة ليستطيع مواجهة حماته المتسلطة، فتتغير حياته، ليقرر العودة مرة أخرى للبائع ويطلب أخلاقًا جديدة، لتتغير حياته تمامًا.

ما بين مسعود أبو السعد الذي اشترى النفاق، وأحمد الذي اشترى الشجاعة، تعيش منطقة الشرق الأوسط ومحيطها، والطامعين في ثرواته، ويسعون لإخضاعه للهيمنة الصهيونية، علماً بأن أحمد كان يبحث عن تغيير "شخصي/عائلي"، بينما مسعود صار رمزاً لضياع الأخلاق في مجتمع كامل، وهو ما يعكس حالة الانبطاح الجماعي للرغبات الأمريكية الصهيونية في الساحة الدولية.

في ذلك السياق أوروبا الاستعمارية المنبطحة، خاصة فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا، سارت على خطى مسعود وتناولت حبوب النفاق لأمريكا وإسرائيل، وتطالب إيران والمقاومة بوقف العدوان على إسرائيل ودول الخليج، وهو نفاق مع سبق الإصرار والترصد، لأن إيران والمقاومة العراقية لا تستهدف دول الخليج بل تستهدف القواعد الأمريكية التي تنطلق منها الطائرات الحربية للعدوان على شعبي العراق وإيران، واتهام الرئيس الفرنسي لحزب الله بأنه سبب العدوان الإسرائيلي على لبنان، لهو كذب بائن، لأن العدوان على لبنان لم يتوقف منذ العام 2023، رغم اتفاق وقف الحرب في نوفمبر 2024، بل قامت إسرائيل باحتلال أراضي بالجنوب اللبناني واغتيالات لشخصيات مقاومة، وتدمير المنازل والمنشآت المدنية، وقتل الشعب اللبناني واعتقال البعض منهم، أمام صمت عون الهزيمة ونواف الاستسلام، ووزراء يمثلون أحزابا صهيونية ظناً منهم أن الصمت والهرولة لإبرام اتفاقية استسلام مع المحتل هي الحل والمنقذ، فبدلاً من مطالبة حزب الله وقف العدوان على إسرائيل، وهو في حالة دفاع عن شرف بلاده التي يجرها ماكرون للخنوع لإسرائيل، تماماً كما تجر الشريفة لاغتصاب شرفها تحت لهيب العوز، كان الأجدر به أن يحتسي حبوب الشجاعة ويطالب بوقف العدوان الإسرائيلي، وبدلاً من إرسال مساعدات عسكرية تعين أمريكا وإسرائيل على تدمير إيران، فليكن رجلاً شجاعاً هو فريقه المنبطح ويرسل قوات لردع العدوان على لبنان.

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، تجرع حبوب الشجاعة معلناً رفضه طلب رئيس مجلس إدارة شركة الولايات المتحدة للإرهاب "ترامب" باستخدام قواعدها في المحيط الهندي، وقال "إن بريطانيا لن تنجر إلى حرب بشأن إيران"، واشترط التأكد من قانونية أي عمل عسكري، وكان ذلك في الثالث من مارس 2026، بعد 17 يوماً من انتهاء مفعول حبة الشجاعة، تناول حبة النفاق وقرر منح الشركة الإرهابية حق استخدام قواعدها العسكرية لشن ضربات على مواقع الصواريخ الإيرانية التي تهاجم السفن في مضيق هرمز، لأنها شنت ضربات على حلفاء بريطانيا في المنطقة، وهنا كانت الذريعة القانونية العسكرية التي تسمح باستخدام قاعدة "فير فورد" الجوية و"دييجو جارسيا" القاعدة المشتركة مع واشنطن في المحيط الهندي، وبالتأكيد هو لا يقصد بالحلفاء دول الخليج، بالقطع يقصد القواعد الأمريكية وإسرائيل.

النفاق الذي هو سمة العالم الخارجي للشرق الأوسط، يتهم إيران بإغلاق مضيق هرمز، لذلك قررت 20 دولة بينها مملكة البحرين إرسال قوات لحماية حرية الملاحة في المضيق، وذلك ليس حباً في الدول العربية، بل تدويل المعركة كما حدث مع العراق في العام 2003، وطمعاً في مرور النفط والغاز لبلدانهم المعرضة لتوقف مصانعها وزيادة الكلفة الاقتصادية، أو كما قال رئيس الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة "كيريل دميترييف" من شأن ذلك أن يحل المشكلة بالتأكيد، ويهدئ الأسواق، ويجنب الاتحاد الأوروبي أسوأ أزمة طاقة في تاريخه"، ومن النفاق هنا أن تلك الدول لا تشير إلى أن العدوان على إيران كان السبب في أزمة هرمز، وبدلاً من مطالبة إيران بوقف الحرب يطالبون من أشعلها بإطفائها(!!)

ويبقى موقف دول القواعد الأمريكية، فهم مسعود أبو السعد، يتهمون إيران بإشعال المنطقة، علماً بأن مقاول الباطن للمشروع الصهيو ـ أمريكي أردوغان احتسى حبوب الشجاعة ورفض استخدام القواعد الأمريكية في بلاده لتوجيه ضربة لإيران، أو السماح بعبور قوات برية للأراضي الإيرانية، وهدد الأكراد في حال الهجوم على الحدود الإيرانية سيعاقبهم كما عاقب أكراد سوريا والعراق.

دول القواعد الأمريكية في حاجة لتناول مسحوق الشجاعة مثل أحمد الذي تناوله لمواجهة حماته، هم في حاجة لمسحوق الشجاعة لمطالبة رئيس مجلس إدارة شركة الولايات المتحدة للإرهاب، بوقف استخدام قواعده للهجوم على إيران، وصد الصواريخ والمسيرات الإيرانية وهي في طريقها لإسرائيل.

وحتى لا ننسى، إن النفاق الأوروبي لم يكن وليد اليوم، بل كان واضحاً خلال حرب الإبادة على غزة، وجهت الاتهامات للمقاومة الفلسطينية، وتم تحميلها بما كان يجب أن يتحمله المحتل المعتدي، كانت دول أوروبا تساند الجريمة في الخفاء بمده بالأسلحة لإبادة الشعب الأعزل، وتعطل أي قرارات دولية لإدانته، وتطالب المقاومة بإلقاء سلاحها والاستسلام للمحتل لنحرهم، كان نفاقهم لشعوبهم بالإعلان في خطاباتهم بإدانة المحتل لامتصاص غضبهم، لكن شاء السميع العليم في فضح أمرهم أمام شعوبهم.

كتب على العرب مسلمين ومسيحيين الفرقة، حتى ونحن في أشد اللحظات الحرجة التي تستهدف سيطرة الصهيو _ أمريكية على المنطقة لتحقيق الحلم الصهيوني، ففي الوقت الذي تؤكد فيه طهران أن دول القواعد أشقاء وأن العدو يحاول تفريقنا، وهم يصرون على عدائها.

ويبقى السؤال هل نحتاج لمسحوق البصيرة لنرى أن ما يجمعنا تحت الهلال أكبر مما يفرقنا تحت سياط النفاق؟

----------------------------------

بقلم: محمد الضبع

مقالات اخرى للكاتب

ملامح | الهلال يجمعنا وأرض النفاق تحكمنا